الأسدي يتقمّص شاوول في مسرحيته

  

بدأت على خشبة مسرح بابل في شارع الحمراء عروض مسرحية "دفتر سيجارة" للشاعر اللبناني بول شاوول، إخراج وسينوغرافيا وتوليف المخرج العراقي الطليعي جواد الأسدي، تمثيل عبده شاهين ونسرين حميدان.

و "دفتر سيجارة" كتاب الشاعر بول شاوول حمل عشق الشاعر وولعه بالسيجارة رفيقته في الكتابة وفي المقهى والشارع منذ أكثر من أربعين عاما،

وقد مسرحها جواد الأسدي إيمانا منه -كما قال- بأنّ المسرح يجسّد على الخشبة ما يود أن يقوله الآخر ويعتمر في صدره حيث أخرج الداخل إلى الخارج وأعطى الضباب حضوره مصاحبا للكلمة الشاعرية والموسيقى الأثيرة المنبعثة من كمان ومن عود، ودخان ومرايا زرعت في جوانب المسرح تعكس واقع الحال وتجسّد إنفعالات الشاعر الممدد في "بانيو" وسط المسرح حيث ينبعث الدخان في فضاء حار مرددا:

"كنت أدخّن مئة سيجارة تقريبا في اليوم. مئة شمس تشرق وتنطفيء بين أصابعي. مئة سيجارة من صنف واحد وكل سيجارة بنكهة مختلفة.

فأول سيجارة ليست كالثانية ولا كالثالثة ولا كالأربعين أو ما بعدها. تأخذ من الصباح نقاءه، ولا مانع عطرة زهرة أو هديل اليمام.

وتأخذ من الظهيرة قوتها وعنفها، وإصرارها كميزان عدالة معلّق في القبة السماوية، ومن الليل هدوءه، طعم العتمة أو عبق الكتب، أو شميم النساء العابرات في المقهى، ومن الشارع روائح الأصوات والجلبة والسوق، حتى الخضار والملابس والواجهات".

هناك مناصفة في أيام التدخين داخل النص وعلى الخشبة، حوار بين المكتب في الجريدة، والمقهى والبيت لكل حصته، فالشاعر يدخّن (100) سيجارة في النهار ويكتب (100) نصا ولكل نص سيجارته اليومية.

جواد الأسدي نجح في تجسيد فعل السيجارة في الذات البشرية حيث خضع الشاعر منذ فترة لعملية قلب مفتوح ونصحه الأطباء بترك السيجارة للأضرار الكثيرة التي تخلفها،

كما نجح في إعادة الحضور إلى واقع الطفولة وذاك الحنين الذي يتدفق من حضن البانيو الذي يجلس فيه الشاعر، كذلك هاجس الموت واختراق الأجراس البعيدة وسط ضباب الخشبة وضباب الذات.



ورغم الديكور المتقشّف، يقول الأسدي أنّه "استطاعت مقولة المسرحية الوصول إلى كل الأمكنة حيث يقول الشاعر:

اشعر عندما أدخنها أنها تحترق في كل الأمكنة الفارغة.. كما نجح بول شاوول في أن يكون هو البطل الحقيقي رغم تبادل الأدوار، لأنه لا يشبه إلا حاله".

مسرحية "دفتر سيجارة" جسدت حال الذات البشرية عندما تتعلّق بالشياء رغم الضرر المصاحب لها،

كما جسدت واقع المدينة والمقهى والشارع عندما تصبح حقائق يدور الشاعر في فلكها ولا يستطيع الفكاك منها.